الثعلبي

19

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

كدأبك من أم الحويرث قبلها * وجارتها أم الرباب بمأسل « 1 » وهذا أصل الحرف يقال : دائب في الأمر أو أبة دأبا ودائب [ ويدأ ودءوبا ] إذا أدمنت العمل ونعيته . وأدأب السير أدآبا ، فإنّما يرجع معناه إلى النّساب والحاك والعادة . قال الشاعر « 2 » : لأرتحلن بالفجر ثمّ لادئبنّ قال سيبويه : موضع الكاف رفع ؛ لأن الكاف للتشبيه تقوم مقام الاسم ، وتقديره : دأبهم كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كدأب الأمم الماضية كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ : فعاقبهم . بِذُنُوبِهِمْ : نظيره قوله فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ « 3 » . وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ : قرأ إسحاق وثابت والأعمش وحمزة والكسائي وخلق بالياء فيهما ، الباقون بالتاء ، فمن قرأهما بالياء فعلى الأخبار عنهم أنّهم يحشرون ويقلبون ، ومن قرأهما بالتاء فعلى الخطاب أي قلّ لهم إنكم ستغلبون وتحشرون وكلا الوجهين [ صحيح ] ؛ لأنه لم يوح إليهم ، وإذا كان المخاطب بالشيء غير حاضر وكانت مخاطبته [ في ] الكلام بالتاء على الخطاب ، وبالياء على الأخبار والأعلام كما تقول : ( قل لغير اللّه ليضربن ولتضربن ) . واختلف المفسرون في المعنى لهذه الآية من هم ؟ فقال مقاتل : هم مشركو مكّة ، ومعنى الآية قيل لكفّار مكّة : سَتُغْلَبُونَ يوم بدر وَتُحْشَرُونَ في الهجرة ، فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم للكافرين يوم بدر : « إنّ اللّه غالبكم وحاشركم إلى جهنّم » [ 10 ] . دليل التأويل قوله تعالى : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ « 4 » . وقال بعضهم : المراد بهذه الآية اليهود . وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس : إنّ يهود أهل المدينة قالوا لمّا هزم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المشركين يوم بدر : هذا واللّه النبي الأمّي الذي بشّرنا به موسى ونجده في كتابنا بنعته

--> ( 1 ) فتح القدير : 1 / 321 . ( 2 ) وهو زهير راجع تفسير مجمع البيان : 2 / 244 والمعنى : إلّا أن يمنعني ولادة طفل . ( 3 ) سورة العنكبوت : 40 . ( 4 ) سورة القمر : 45 . 46 .